القاضي عبد الجبار الهمذاني
50
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فكما يجب عليه تعالى أن يمنع الغير من منع هذا المكلف مما كلف ، فكذلك يجب عليه أن يمنعه مما هو مفسدة له . وفصل رحمه اللّه بين المفسدة والمصلحة بأن قال : إنه لا يمتنع أن لا يكون الفعل صلاحا ، إلا إذا وقع من فعل المكلف على وجه مخصوص . فلا يصح أن يقال لو كان مصلحة ، والمعلوم أن المكلف لا يختار ، لوجب أن يلجئه تعالى إليه ؛ لأن الوجه الّذي عليه يكون مصلحة هو أن يقع باختياره والإلجاء يؤثر فيه ، فيصير كأنه لم يقع فتفوت المصلحة ، وليس كذلك ما هو مفسدة ؛ لأن الفساد يتعلق بوقوعه . فإذا منع تعالى منه لم يقع ؛ كما إذا امتنع هو منه لم يقع ، فيزول الفساد في الوجهين على حد واحد . وزاد أبو هاشم رحمه اللّه في العبادات « 1 » على هذه الجملة بأن قال : جوّزوا أن تكون الصلاة مصلحة ، وتركها مفسدة ؛ فيجتمع كلا الأمرين فيها ، فلذلك لا يمنع تعالى « 2 » من تركها . وأجاب عن ذلك بأنه تعالى كان يجب فيمن يعلم أنه لا يصلى أن يمنعه من ترك الصلاة ، لكي لا يقع من الفسادين أحدهما ، وهو ما الصلاة لطف فيه ؛ لأنه إذا صح أن يفسد من وجهين أحدهما يؤدّى إليه إن لم يصلّ وله أجر يؤدّى إليه تركه الصلاة ، ويصح من المكلف إزالة أحد الوجهين ، فيجب أن يفعله . وذكر أيضا بأن هذه الطريقة فاسدة ، لأن فيها ضم ما ليس بعلة إلى ما هو علة ؛ لأن كونها واجبة لا بكونها مصلحة ، إذا ثبت ، ثبت لأجله قبح تركها . فالقول بأنه يقبح لأمر آخر يوجب ما ذكرناه من الفساد ، والّذي ذكره رحمه اللّه في التعبديات « 3 » : أنه لا يمتنع أن يقبح الفعل من جهة الشرع لأنه مفسدة . وأوجب في قبح شرب الخمر والربا ذلك . وبين رحمه اللّه أنه لا يجب
--> ( 1 ) غير واضحة . ( 2 ) أي لا يحول دون تركها وليس المراد لا ينهى عن الترك . ( 3 ) في الأصل : « التعداديات » .